دعوني أحدّثكم عن أعجب بيئة عمل أنتجت تطبيقاً على قوقل بلاي.
تخيّلوا: حاسب محمول من طراز 2016 — وأنا متساهل في تسميته حاسباً. البطارية ميتة. ليست ميتة بمعنى «تصمد عشرين دقيقة»، بل ميتة ميتة. تنزع الشاحن ثانيتين فينطفئ كأنك رفعت عنه أجهزة الإنعاش. أما الشاشة فحالها لا يُسأل عنه، فصنعتُ ما يصنعه أي عاقل: وصلته بالتلفزيون عبر HDMI، وأحضرتُ لوحة مفاتيح وفأرة لاسلكية، وجلستُ على الأرض كأنني أهمّ باللعب على البلايستيشن.
لكنني لم أكن ألعب. كنت أحاول أن أبني برنامجاً.
الاختيار
وكان للحاسب خصلة أخرى — يشغّل المحرر أو المتصفح، لا الاثنين معاً. اختر واحداً. تريد البحث عن حلٍّ في Stack Overflow؟ أغلِق المحرر. تريد العودة إلى كتابة الكود؟ أغلِق المتصفح. كان التنقل بين النوافذ رفاهية لا أقدر عليها. لقد كان الجهاز أحاديّ المهمة في عام 2020.
ولا أقول هذا استدراراً للتعاطف، بل لأنه مضحك عند النظر إليه اليوم — ولأن التطبيق الذي أطلقته من تلك البيئة لا يزال عاملاً، ولا يزال الناس ينزّلونه، ولا يزال يعمل أفضل من أشياء بُنيت في بيئات أرفه منها بكثير.
أول إطلاق: حاسبة الجُمَّل
كان التطبيق حاسبة الجُمَّل — حساب الجُمَّل بالأبجدية العربية. وحساب الجُمَّل، لمن لا يعرفه، نظام قديم لكل حرف عربي فيه قيمة عددية. يستخدمه الناس في كل شيء، من الشعر التقليدي إلى الممارسات الروحية. وهو متجذر في الثقافة العربية والإسلامية، ولم يكن له تطبيق جيد على الجوال.
فبنيتُه. من التلفزيون. بلوحة مفاتيح لاسلكية. نافذة واحدة في كل مرة.
والحمد لله، حاسبة الجُمَّل اليوم على قوقل بلاي بآلاف التحميلات. ليست ملايين — ولن أتفلسف فأقول إنها إنستقرام الجديد. لكن آلافاً من الناس يستخدمون شيئاً بنيتُه وأنا جالس على الأرض، أحاول القراءة من تلفزيون مقاسه 42 بوصة من مسافة متر. وهذا يعني شيئاً.
وقد علّمني أول إطلاق أهم درس في مسيرتي: لا تحتاج إلى إذنٍ لتبدأ. لا تحتاج إلى الأجهزة الصحيحة، ولا المكتب الصحيح، ولا اللحظة الصحيحة. تحتاج إلى فكرة، وعناد، واستعداد أن تبدو مضحكاً.
المستوى الثاني: الماك
في عام 2025، اشتريتُ أخيراً حاسب MacBook Air M4. وإن لم تجرّبوا الانتقال من جهاز لا يفتح نافذتين إلى M4، فدعوني أصف لكم الإحساس: كأن أحداً رفع عنك أثقالاً حملتها سنين. صار كل شيء فورياً. أكثر من نافذة؟ تفضّل. محرر ومتصفح وطرفية وفيقما؟ لا مشكلة. ولا يكاد الجهاز يسخن.
وحين أنشأتُ مجلد العمل، سمّيته «2ndlvl» — المستوى الثاني. لأن ذلك بالضبط ما شعرتُ به. ترقية حقيقية، لا في العتاد وحده، بل في ما أستطيع أن أحاوله. لقد زال السقف.
وبدأتُ أبني أسرع. تطبيقات أعقد. معماريات أفضل. أشياء لم يكن الحاسب القديم قادراً على تشغيلها حرفياً. تطبيقات Flutter بواجهات غنية، وخدمات خلفية، وأنظمة تكامل ونشر مستمر — انفتح الستاك كله.
الفجوة
والجزء الذي لا يحدّثك عنه أحد عند الترقية: أنك تخسر أشياء أيضاً.
فقد مات الحاسب القديم بعد وصول الماك بمدة قصيرة. استسلم أخيراً. ومعه ذهب جهاز الويندوز الوحيد عندي. وفجأة لم أعد أستطيع البناء أو الاختبار على ويندوز إطلاقاً. وحاولتُ مدةً استخدام GitHub Actions وأجهزة افتراضية لإنتاج نسخ ويندوز. ونجح الأمر تقنياً، بالطريقة نفسها التي ينجح بها كرسيٌّ بثلاث أرجل — تستطيع الجلوس عليه، لكنك دائماً على وشك السقوط.
كان غير عمليّ. وبطيئاً. ومؤلماً. فكل نسخة ويندوز صارت مسار نشرٍ كامل بدلاً من أن تضغط «شغّل» فترى النتيجة. تعاملتُ معه لأنني مضطر، لكنه ظل احتكاكاً دائماً.
المستوى الثالث: الستاك الكامل
واليوم في عام 2026، تشغّل برمجيات عزيز سبعة تطبيقات منشورة تخدم آلاف المستخدمين. وأبني ما أسميه «3rdlvl» — ستاك المنصات الكامل:
- MacBook Air M4 — جهاز التطوير الرئيسي
- ThinkPad — تغطية ويندوز ولينكس، القطعة الناقصة
- خادم افتراضي خاص — خوادم، ونشر، وخدمات تعمل على مدار الساعة
- وزير — مساعد ذكاء اصطناعي يعمل على الخادم، ويتولى كل شيء من البريد إلى مراقبة النشر
ماك، وثنكباد، وخادم، ومساعد ذكاء اصطناعي = كل منصة مغطاة، وكل نظام تشغيل في المتناول، وكل نشر مؤتمت. وهذا ما كانت بيئة التلفزيون ولوحة المفاتيح تحاول أن تكونه — لكنها احتاجت بضع سنين وكثيراً من العناد لتصل.
ولا يزال استوديو شخص واحد. من المدينة المنورة، في السعودية. دون فريق، ودون مستثمرين، ودون مكتب فخم. فالتطبيقات — الجُمَّل، ومُفوتِر، ووصل، ومواقيت الصلاة، وسائرها — كلها بُنيت وتُصان وتُطلق من شخص واحد. لقد كبرت البنية التحتية، أما الفريق فلا. وبصراحة؟ يعجبني الأمر هكذا.
الدرس
أستطيع أن أختم بكلام مصقول عن المثابرة أو الروح الريادية، لكن ذلك لن يكون صادقاً. والحقيقة أبسط من ذلك.
لا تحتاج إلى الأدوات الصحيحة لتبدأ. تحتاج إليها لتتوسّع.
كانت بيئة التلفزيون سخيفة. غير مريحة، وغير فعّالة، وأثّرت في بصري على الأرجح. لكنها عملت. وأخرجت أول تطبيق. وبعد أن تحقق ذلك، كان كل ما تلاه تطويراً — عتاداً أفضل، وعمليات أفضل، وبنية تحتية أفضل. وكل مستوى فتح الذي يليه.
فإن كنت الآن في بيئة عمل سيئة، تفكر في الانتظار حتى تتوفر لك الأجهزة «الصحيحة» لتبدأ البناء — فلا تنتظر. أطلِق شيئاً. أطلِقه من جوالك إن لزم الأمر. أطلِقه من تلفزيون بلوحة مفاتيح لاسلكية.
فالبيئة لا تهم. الإطلاق هو ما يهم.
وإن قال لك أحد إنك تحتاج إلى بيئة معينة، أو ميزانية معينة، أو فريق معين لبناء برامج حقيقية — فأرِه استوديو شخص واحد في المدينة يشغّل سبعة تطبيقات، بدأ من حاسب محمول يحتضر موصولٍ بتلفزيون.
— عبدالعزيز يحيى، مؤسس برمجيات عزيز